محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

43

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

فلأنه ذكر قبله وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً فأخبر عن حالهم فاقتضى تقدم الذكر هذا الوصف . والموضع الرابع : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ في سورة الحديد جاء بعد نهيه عن تمكين الحزن والأسى من النفس على ما يفوت من أحوال الدنيا ، ويفجع به الإنسان من مستفاد النعمى للعلم السابق بأنها عوار مرتجعة ، فكذلك إذا خول منه الكثير لا يمرح بحبه ولا يبطر فيه ، كما قال : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً « 1 » أي : فعل المختال فذم الإفراط في الجزع عند المصيبة والفجيعة والغلو في الفرح والمرح عند العطية وكثرة الشبعة ، حتى يخرج عن التواضع مما يحول إلى الكبرياء ، فيبطر ويمرح ويفتخر ، فعقبه بقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وإنما عقبهم ب الَّذِينَ يَبْخَلُونَ لأن المتقدم عليه إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ « 2 » فكأنه حثهم على الصدقة وإقراض اللّه ، فإن من لم يفعل ذلك يكون بخيلا ، واللّه لا يحب البخيل ، وأما الفرق بين ( الواو ) و ( إن ) ، فإن الواو في أكثر الأحوال لا تكون أجنبية مما قبلها بخلاف « إن » ، فإنها كلمة أجنبية من الكلمتين وضعت لابتداء الكلام ، ففي سورة البقرة وسورة الحديد الكلام متصل بعضه ببعض ، فذكره بواو حيث قال : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ فوصلهما بالواو ، وكذلك في الحديد وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ والاختيال والفخر إنما يكون من الفرح ، فجمع بينهما بواو ، وأما الموضعان الآخران في سورة النساء فقد تم الكلام فيهما ؛ لأنه في الأول أمرهم بالعبادة وترك الشرك والإحسان بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار وملك اليمين ، وقد تمت هذه الأوامر ، ثم ابتدأ بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ كذا وكذا ، وكذلك الموضع الثاني ؛ لأنه نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم فأتم الكلام ، ثم قال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً فاختص كل مكان بالوصف الذي لاق به والسلام . مضى الكلام فيما شابه من سورة البقرة مكانا آخر منها أو من غيرها عن اثنين وثلاثين موضعا وقع فيها السؤال .

--> ( 1 ) سورة : الإسراء ، الآية : 37 . ( 2 ) سورة : الحديد ، الآية : 18 .